حسن حسن زاده آملى
121
الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة
من بعضها إلى بعض أي من الأدون إلى الأرفع ومن الأخسّ إلى الأشرف ؛ فما لم يستوف جميع المراتب التي يكون للنشأة الأولى من هذه النشآت الثلاث أعنى الطبيعيّة والنفسيّة والعقلية لم يتخطّ إلى النشأة الثانية ، وهكذا من الثانية إلى الثالثة ؛ فالإنسان من مبدأ طفوليته إلى أوان أشدّه الصوري إنسان بشرى طبيعي وهو الإنسان الأوّل فيتدرج في هذا الوجود ويتصفّى ويتلطف حتى يحصل له كون أخروي نفساني وهو بحسبه إنسان نفساني وهو الإنسان الثاني وله أعضاء نفسانية لا تحتاج في وجودها النفساني إلى مواضع متفرقة كما إذا ظهرت في المادة البدنية حين وجودها الطبيعي فإنّ الحواسّ في هذا الوجود متفرقة يحتاج إلى مواضع مختلفة ليس موضع البصر موضع السمع ولا موضع الذوق موضع الشم ، وبعضها أكثر تجزيا من البعض وأشدّ تعلقا بالمادّة كالقوّة اللامسة وهي أوّل درجات الحيوانية ولذا لا يخلو منها حيوان وإن كان في غاية الخسّة والدناءة قريبا من أفق النباتية كالأصداف والخراطين ؛ وهذا بخلاف وجودها النفساني فإنّه أشدّ جمعيّة من هذا الوجود فتصير الحواس كلّها هناك حسا واحدا مشتركا ، وهكذا قياس القوى المحركة ؛ ففي هذا العالم بعضها في الكبد ، وبعضها في الدماغ ، وبعضها في القلب ، وبعضها في الأنثيين ، وبعضها في غير ذلك الأعضاء ، وفي العالم النفساني مجتمعة ؛ ثمّ إذا انتقل من الوجود النفساني إلى الوجود العقلي وصار عقلا بالفعل وذلك في قليل من أفراد الناس فهو بحسب ذلك الوجود إنسان عقلي وله أعضاء عقلية وهو الإنسان الثالث ( ج 4 ، ص 121 ، ط 1 ) . والحاصل أنّ البرهان باق على قوّته ، دال على أنّ النفس المدركة للمعاني الكلية المعقولة على مراتبها بحسب الشدة والضعف والسعة والضيق ليس بجسم ولا جسمانية ؛ وإليه يؤول كثير من الأدلّة التي أقاموا على تجرّدها كما يأتي التحقيق في ذلك . وانّما قيدنا المعاني الكلية المعقولة بقولنا على مراتبها بحسب الشدة والضعف لشمول البرهان كلا القسمين من المعقولات أعنى العقليات المتصورة المشتركة بين الكثيرين ، والعقليات التي هي ذوات مرسلة ومفارقات نورية كما عرفت في التحقيق